sayed.redha.alawi@gmail.com

الكاتب السيد رضا علوي

رداُ على موضوع – يوم القدس العالمي

مررت في أحد المنتديات البحرينية بموضوع عن إعلان حول مسيرة اليوم العالمي للقدس، وقد سرني ما أبداه قسم من الإخوة المشاركين من مواقف ومشاعر إيجابية حول مركزية قضية القدس وفلسطين بالنسبة لنا كمسلمين وأهمية الاحتفاء بهذا اليوم العظيم، خصوصا وإننا على أعتاب التطبيع الاقتصادي الرسمي مع إسرائيل، هذا التطبيع الذي يجب أن نقول له جميعا: لا.

لكنني على الطرف الآخر شعرت بالألم الشديد لما أبداه بعض الإخوة المشاركين في ذلك المنتدى من آراء لا يمكن للمنصف أن يصنفها ضمن الآراء الصحيحة أو الموضوعية، ولأهمية الموضوع فقد رأيت أن أشير إليه هنا. فأحد الآراء ذهب إلى أن النوم في هذا الوقت –أي وقت المسيرة- أفضل من دعم نواصب فلسطين، وتمنى من قيادة الجمهورية الإسلامية إلغاء الاحتفال بهذا اليوم. فهل يا ترى من الصحيح والإنصاف أن نصف إخوة لنا في الإسلام والإنسانية، يذبحون في كل يوم أطفالا ونساء وشبابا ورجالا وشيبا، وتهدم بيوتهم، وتقتطع أراضيهم، وتقتلع أشجارهم، ويعيشون الحصار والفقر والحرمان، ويضيق عليه بالجدران، ويستفرد بهم الكيان الإسرائيلي، ويضحون من أجل كرامة الأمة وعزتها أن نصفهم بهذا الشكل غير اللائق أو أن نتمنى رفع الدعم والمساندة عنهم؟! أليس هذا ظلم كبير من جانبنا بحقهم؟! ألم يقل رسولنا الكريم (ص): “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى”؟ أليست القدس قبلتنا الأولى ومسرى رسولنا الكريم (ص)؟ وألا نعلم جميعا أن تصفية القضية الفلسطينية بالشكل الذي تريده الدول التي أسست لهذا الكيان الإسرائيلي وقدمت له الدعم المطلق سيجلب آثاره الخطيرة والمدمرة علينا جميعا كعرب ومسلمين؟! وهل من الصحيح أن يقلل بعضنا من شأن المشاركة في فعالية إيجابية تدعو إلى مناصرة القضية الفلسطينية؟!

رأي آخر ذهب إلى أننا بحاجة إلى دعم العراق وشعبه، وليس لدعم أهل الشام الذين خرجوا فرحين باستقبال سبايا الحسين (ع). بالله علينا هل من اللائق بنا أن نحمل إخوتنا الفلسطينيين الذين تُهدر دماؤهم في كل يوم ظلما وعدوانا وزر أهل الشام الذين ذكرهم الأخ في تعليقه؟! القرآن الكريم يقول: “ولا تزر وازرة وزر أخرى” فهل يجوز لنا أن نأتي وبكل بساطة ونحمل أناسا أوزار آخرين؟! أليست هذه طائفية بغيضة يمقتها الله ورسوله؟ وأليس الشعب الفلسطيني بحاجة إلى دعمنا كمسلمين كما هو الشعب العراقي بحاجة إلى دعمنا كذلك وكلاهما شعبان مسلمان؟ وأليس أضعف الدعم والمساندة أن نناصر إخوتنا الفلسطينيين بقلوبنا وأن نكف عن كل ما من شأنه تضعيف قضيتهم؟

تعليق آخر ذكر أن إقامة مسيرة في يوم القدس العالمي هي صورة من صور الرياء السياسي الذي لا يقدم ولا يؤخر، فيا ترى ما الذي يقدم ويؤخر، هل هو مسح القضية الفلسطينية من الوجدان العربي والمسلم؟! وهل ثمة تناقض بين المشاركة في مسيرة عن شأن وطني وآخر أممي؟! وهل المشاركة في فعالية تهتم بشأن أممي هي بالضرورة ملغية للتفاعل مع شأن وطني أو أنها هروب منه؟! وهل التضامن مع إخوتنا الفلسطينيين يلغي العمل من أجل الفقراء والمحرومين والعاطلين في بلادنا؟! وهل يبدو من الصحيح أن نستخدم الآية الكريمة ((الأقربون أولى بالمعروف)) مبررا شرعيا لنا للامتناع عن التضامن مع إخوتنا العرب المسلمين، ومنهم إخوتنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟!

هل من الصحيح أن يصف بعضنا الفلسطينيين بالأعداء وأن يعتبر كل ما يتعرضون له من مذابح جزاء لهم لنصبهم العداء لأهل البيت وأتباعهم؟! أي طريقة من التفكير هذه؟! وإلى أين وصل الأمر بالبعض منا؟! وهل من الصحيح القول بأن كل من يرفع علم فلسطين هو مؤيد لرئيس نظام البعث البائد في العراق وللظلمة ضد الشيعة كما ذهب إلى ذلك أحد الإخوة المعلقين؟ إن هذا بحق لغط شديد ينبغي أن يراجع نفسه من وقع فيه، وهو لا يخدم في المحصلة إلا مناوئي هذه الأمة وأتباعهم.


 

شكرا لكم أخي العزيز “الهواء” على إضافتك الطيبة حول موضوع اليوم العالمي للقدس، ومرحبا بقلمك الجميل الرائع، ويطيب لي أن أضيف شيئا جديدا انطلاقا من إضافتك الطيبة.

كما ذكرتَ يا أخي الفاضل أن ثمة ردود فعل في الساحة الإسلامية تسيء للقضية الفلسطينية التي هي قضية مركزية بالنسبة لنا كعرب ومسلمين، والحمد لله أن تلك الردود يمثلها قلة. ونحن حينما نتبادل البحث في هذا الموضوع فهدفنا هو الوقاية والتحذير من حدوث ردات الفعل غير الصحيحة والتي تسيء إلى موقفنا من القدس والقضية الفلسطينية، وليس من أجل تكريسها. وأضيف إلى ما ذكرتَ أن اللعب على الحبل الطائفي الذي سعت قوات الاحتلال الأنجلو أميركي على تعميقه في داخل العراق لكي يطول بقاؤها هناك، ولكي تتفرغ لتنفيذ مآربها في إعادة رسم وتشكيل خارطة المنطقة العربية والإسلامية، يضاف إلى ذلك ما تقوم به بعض الجهات من أعمال إراقة الدماء كيفما كان تأسيسا على نظرة طائفية متطرفة، ساعد على تولد ردات الفعل تلك. والحمد لله أن إخوتنا في العراق –شيعة وسنة وغيرهم- يدركون أهمية الوحدة بين الطائفتين الإسلاميتين، وعموم الوحدة الوطنية العراقية، وخطورة الانجرار إلى حرب أهلية على أساس طائفي أو عرقي. ونحن بدورنا كمسلمين وأينما كنا، من واجبنا أن نعمق ثقافة التعايش والوحدة الإسلامية مع التعدد المذهبي الذي يمثل واقعا لا يمكن تجاوزه، وأن نحذر من ردود الفعل تلك والتي يمكن أن يكون لها آثار ثقافية منفية لا سمح الله.

أما عما ذكرت من أن ما يحدث في الساحة الإسلامية الشيعية من ردات فعل حول القضية الفلسطينية هو نتيجة لما قامت به بعض قيادات الفصائل الإسلامية الفلسطينية بتأييد رئيس النظام البعثي البائد في العراق، فعلى افتراض حدوث ذلك من البعض –ولا يمكنني الجزم- فإن إخوتنا في الفصائل الإسلامية الفلسطينية ليسوا معصومين عن الأخطاء، وإن من مصلحتنا ومصلحة القضية الفلسطينية أن لا ننجر إلى مثل ردات الفعل تلك، وأن لا يسود في أوساطنا الهرج والمرج، وأن نكون على مستوى من النضوج يمكننا من معالجة الأمور بطريقة منطقية وعقلانية. وأما عما ذكرت من أن ردات الفعل تلك هي نتيجة لمشاركة بعض الفلسطينيين في أعمال القتل وإراقة الدماء في العراق، فيمكنني القول هنا أن الجهات التي انتهجت أسلوب إراقة الدماء في هذا البلد العزيز على قلوبنا استفادت من جنسيات مختلفة، وليس فقط من بعض الفلسطينيين الذي هم بلا شك لا يمثلون كل الشعب الفلسطيني.

وأما عن سؤالك عن موقف الإمام الحجة (عج) من القضية الفلسطينية حال ظهوره، فهذا أمر غيبي لا أدعي امتلاك معرفة عن ماهيته، لكنني أؤمن بأن أئمتنا (ع) يقوم منهجهم على الرأفة والرحمة والسلم، وأن ذلك الموقف سيكون بالصورة التي تجمع المسلمين جميعا على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وأعراقهم، وبالصورة التي تحفظ للإنسانية وئامها وسلامها وقيمتها وكرامتها وجوهرها الحضاري.

في الختام أكرر لك جزيل شكري على مداخلتك الطيبة، والسلام ختام وهو أحلى كلام.


 

شكرا جزيلا للأستاذين العزيزين الفاضلين “النورس الذهبي” و “الميزان” على مداخلتيهما الطيبتين حول الموضوع.

وأضيف إلى ما ذكره الأستاذ الفاضل “النورس الذهبي” أنه على افتراض أن بعض الفلسطينيين كان لهم موقف غير إيجابي من الشيعة بعد فاجعة جسر الأئمة، وبالنسبة لي لم أسمع ولم أشاهد وبالتالي لا يمكنني الجزم بصحة ذلك، فهذا البعض –إذا صح ذلك الافتراض- لا يمثل الشعب الفلسطيني، وليس من الإنصاف ترتيب موقف سلبي من الشعب الفلسطيني والقدس والقضية الفلسطينية برمتها بناء على تصرف قلة قليلة، الله يعلم ما هي منطلقاتها ودوافعها من وراء ذلك، وما هي الجهات التي تقف من خلفها. وعن ذكرك أن شبكة شيعية أوردت أنباء تتعلق بذلك، يمكن القول أنه ليس كل نبأ تبثه قناة شيعية هو بالضرورة ينطوي على موقف سياسي صحيح سواء كان هذا الموقف تجاه الفلسطينيين والقضية الفلسطينية أو تجاه غيرهما، وينبغي لنا أن نشغل عقولنا ونمحص الأنباء والمواد الإعلامية ونحاول التعرف على خلفياتها السياسية، وعلى ضوء ذلك ينبغي أن نبني مواقفنا.

وإخوتنا الفلسطينيون -أيدهم الله تعالى- يدركون جيدا أن المسلمين الشيعة هم من أكثر داعمي القضية الفلسطينية، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تلك هي الجمهورية الإسلامية ومؤسسها الكبير (رضوان الله تعالى عليه) الذي أعلن آخر جمعة في شهر رمضان المبارك يوما عالميا للقدس، وتلك هي المقاومة الإسلامية في لبنان وموقفها المشرف من القدس والقضية الفلسطينية، وتلك هي الملايين في هذا العالم التي تحب فلسطين وتتضامن مع القدس والفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي كل هذا العالم. وأؤكد على ما ذكرتَ بأننا لا ينبغي أن نكون انفعاليين ومتسرعين في أحكامنا ومواقفنا، فالعجلة -كما يؤكد المناطقة- هي من أبرز العوامل النفسية للوقوع في الخطأ، وأن لا تكون أحكامنا أحكاما مطلقة، وأن لا يكون الجزء القليل أو الشاذ ذريعة لنا لاتخاذ أحكام كلية، وكل شيء ينبغي أن نعطيه حجمه الحقيقي، وخصوصا في القضايا المصيرية مثل القضية الفلسطينية التي يعمل مناوئو هذه الأمة على تضعيفها وتشتيتها وتضييعها في الوجدان العربي والمسلم.

كذلك لا ينبغي أن تكون مواقفنا وأحكامنا منطلقة من نظرة طائفية ضيقة أو منغلقة، إذ المسلمون كلهم أمة واحدة مهما اختلفت طوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم. وبالتالي فإن نظرتنا للقضية الفلسطينية وموقفنا منها–كما ذكر الأستاذ الفاضل الميزان- ينبغي أن تكون نابعة من كونها قضية إسلامية تهم جميع المسلمين على مختلف مذاهبهم وطوائفهم، لا أن تكون نظرتنا متوجهة إلى أن إخوتنا الفلسطينيين لا يشتركون معنا في المذهب. المهم أننا جميعا مسلمون، والقضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعا، ومصيرنا هو واحد.

أكرر شكري للأستاذين الفاضلين “النورس الذهبي” و “الميزان” والسلام ختام وهو أحلى كلام.

 

بقلم: السيد رضا علوي السيد أحمد

28/10/2005م