info@redha-alawi.com

الكاتب السيد رضا علوي

رداُ على موضوع – معرفة الذات

شكرا للأخت الفاضلة “نجمة السما” على طرحها هذا الموضوع “معرفة الذات”، وشكرا للأخوات الفاضلات المشاركات، ويطيب لي أن أشارك في الموضوع –شعورا مني بأهميته- انطلاقا من مشارَكات الأخوات ضمن ما يلي:

قال تعالى في كتابه العزيز: ((بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره.)) (سورة القيامة، الآيتان 14، 15).

كما نعلم جميعا أن نفس الإنسان هي أقرب المقربين بالنسبة إليه، وهي -إن جاز التعبير- مؤنسه الدائم في الدنيا إلى آخر عمره وحياته. ولما كان القرب والمقاربة بطبيعتهما يؤديان إلى التعرف والمعرفة، فمن واجب الإنسان –ومصلحته كذلك- أن يتعرف على نفسه القريبة منه، لأن هذا التعرف هو المدخل لسلوكه وسيرته ورحلته في هذه الحياة، والتزاماته فيها والتعامل مع كل ما يواجهه ويعترضه فيها من مسؤوليات وحوادث في الزمان والمكان.

ومن طبيعة الإنسان السويّ أنه أخبر الخبراء بنفسه، لأنها منه، ولأنه  يعلم بالضبط ما يُبطن وما يُظهر، وما يُبقي وما يُهمل، وما يترك وما يقرر. ومع هذا، قد يكون الإنسان في جهل من نفسه لسبب ما كقلة الدراية، والغفلة، والانخداع، وسيطرة العواطف والانفعالات على العقل، والهوى السلبي. ومن هنا فهو بحاجة إلى أهل الخبرة والحكمة والتواصي لكي يبصرونه عنها. بل الأكثر من ذلك، إن هذا المؤنس القريب و الرفيق الملازم بالنسبة إلى الإنسان (وهي نفسه) قد تتحول إلى ألد الأعداء بالنسبة إليه فيما إذا استسلم لهواها المنحرف وضلالها الغاوي، وفيما إذا أغلق باب العقل والمنطق أمامها. ولذا جاء في الأحاديث الشريفة المروية عن الرسول الأكرم (ص): ((أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)) الأمر الذي يتطلب من كل واحد منا أن يعرف نفسه حق المعرفة، وأن يتوسل معها بالتقويم والمجاهدة فيما إذا شذت عن الطريق الصحيح أو تنكبت عنه. وهذا الأمر ينسحب على الأمور الدينية والدنيوية.

وعلى مستوى التعامل والعلاقات الاجتماعية، كما هو مطلوب من الإنسان أن يكوِّن معرفة بالطبيعة البشرية والنفسية مع من يتعامل معهم ويختلط بهم ويعاشرهم لكي يتعارف معهم ويحسن معاملتهم، ويتبادل المنافع والمصالح معهم، من المهم في المقام الأول أن يتعرف إلى نفسه جيدا باعتبارها الطرف الأول في تلك المعاملات والعلاقات. وإنه لحيف كبير أن يكون الإنسان على معرفة بالآخرين وطبائعهم البشرية والنفسية، بينما يكون على جهل بنفسه.

ومشاعر الإنسان في هذه الحياة –سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى العلاقات الاجتماعية- تتنوع بين الشعور بالرضا والشعور بعدمه، وهكذا الحال بالنسبة إلى نظرة الإنسان إلى نفسه، فهو إما راض عنها أو ساخط عليها، ومن طبيعة النفس أنها إقبال وإدبار. لكن هذا الرضا وذلك السخط عن النفس ينبغي أن يكونا مبنيين على أسس سليمة وضمن معايير صحيحة. فليس صحيحا أن يرضى الإنسان عن نفسه وهو يجدها تقترف الموبقات وتمارس الظلم بحق الآخرين و التعدي على شخصياتهم وأعراضهم وممتلكاتهم كمثال. وليس صحيحا كذلك أن يكون ساخطا على نفسه ومن واجبه عليها أن تكون سليمة معافاة لكي لا تصاب بما لا تحمد عواقبه من العلل والأسقام والحالات والأمراض النفسية والجسدية.

إن الصورة التي ترسمها لذاتك هي الصورة التي ستقابل بها الآخرين في معاملاتك معهم، وهذه الصورة سيكون لها تأثير في نظرة الآخرين إليك كما ذكرت الأخت “نجمة السما”. ومن هنا فأنا وأنت بحاجة إلى أن تكون صورتنا ذات مردود إيجابي علينا وعلى الآخرين. وبالطبع لا يعني هذا أن يكيف الإنسان صورته مع المحيط البشري الذي يتعامل معه كيفما كان، إلا أن يكون شخصا مكيافيليًّا أو برجماتيا نفعيا، أو شخصا لا يعطي وزنا للمعايير والحدود العقلية والأخلاقية. فعلى سبيل المثال: إذا كان المحيط الاجتماعي الذي نتعامل معه ينطوي على انحراف فكري أو سلوكي أو أخلاقي، فهل من الصحيح أن نكيف صورتنا بحيث نجعلها موافقة لذلك الانحراف؟ كلا بالطبع.

نعم قد تنطوي شخصية الإنسان على نقائص أو عيوب أو ممارسات غير محمودة عقلا أو أخطاء–والكمال لله سبحانه وتعالى- وقد تكون هذه العيوب أو النقائص لا ترضي من يتعامل معهم، فينبغي له والحال هذه أن يحاول ما استطاع في تغيير نفسه للتخلص من تلك العيوب والنقائص والممارسات والأخطاء طالما أن ذلك ممكن بالنسبة له. وأما في ما هو غير ممكن له من العيوب والنقائص، فهو معذور، وعليه بالصبر والاستمرار في الكفاح ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وقد أشارت الأخت الفاضلة إلى نقطة هامة في التعامل مع الذات، وهي تغيير طريقة التفكير ((لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)). إن التغيير في حد ذاته ليس هدفا، بل هو وسيلة يراد منها أن تقود إلى هدف إيجابي. وهكذا الحال بالنسبة لتغيير طريقتنا في التفكير، فهي وسيلة يراد بها الوصول إلى غاية إيجابية. والمعلوم أن التفكير المتماثل يقود إلى نفس النتائج دون تغيير، إيجابا وسلبا. وعلينا أن نتصور فيما إذا كان هذا التفكير سلبيا فإن النتيجة ستكون سلبية. فعلى سبيل المثال: إذا اعتاد الإنسان أن تكون نظرته إلى الأمور نظرة سوداوية متشائمة، فلا يتوقع أن نظرته ستكون متحلية بالتفاؤل والأمل، بل سيكون متشائما وغير متفائل. لكنه لو قرر مع نفسه وقال: سأغير من طريقة تفكيري في النظر إلى الأمور وسأكون متفائلا بالفعل، فإن فكره وحالته النفسية سيطرأ عليهما تغيير وسجنحان نحو التفاؤل.

دعنا نضرب لهذا مثالا عمليا بسيطا: افترض أن أمامك القيام بعمل ما مثل إجراء معاملة مصرفية. فالنظرة الإيجابية تقتضي أنك تتوكل على الله وتعد للأمر وتختار الوقت الملائم وتقرر، ثم تتناول مفتاح سيارتك وتنطلق إلى مقصدك لأداء المعاملة بثقة وأمل. أما النظرة غير الإيجابية أو المتشائمة فقد تدعوك إلى وضع مزيد من العقبات أمامك لإنجاز تلك المعاملة، من مثل إن الوقت غير مناسب، وإنك متعب الآن، وإن الطريق سيكون مزدحما، وإن المصرف سيكون غاصا بالناس، وإن الوقت لن يسعك لإنجاز المعاملة، وإن هناك أكثر من ورقة (فورمة) ينبغي ملؤها، وإن البنزين لا يكفي للذهاب، وإن… وإن… وتدخل نفسك في خطوط لا داعي لها. وللعلم فإن النظرة الإيجابية المتفائلة كما هي تسهل التعامل مع الناس، فكذلك هي تسهل القيام بالأعمال وإنجازها. وكثيرا ما شعر الواحد منا أن طريقته لأداء عمل ما كانت أسهل بكثير مما كان يتصور ويتخيل.

ومن الأمور التي تساعد الإنسان على التفاؤل والحفاظ على نفس متفائلة هو تقبل الأمور كما تكون، والبعد عن النرجسية والمثالية والخيالية. هناك منا من يتصور أن الأمور دائما يجب أن تكون كما يريد هو، والواقع أن الأمور تكون تارة كما نريد ونتمنى وتارة تكون كما لا نريد ونتمنى. لكن هذا لا يعني أن نكون قدريين في كل شيء ونهمل قدرتنا وإمكانية لتغيير فينا. هنالك أمور نريدها أن تكون وفق نمط معين، ولكنها تكون وفق نمط آخر، وقد يكون بمقدورنا أن نغير في ذلك الواقع، وقد لا يكون بمقدورنا القيام بأي تغيير. بل في أحيان قد تكون الأمور في غالبها أو ربما كلها على غير ما يريد ويتمنى الإنسان. لكن مع هذا لا ينبغي للإنسان أن يعكف على التبرم، ويستسلم للتشاؤم، بل عليه أن يوطد العزم على أن تكون نظرته نظرة متفائلة متسلحة بالكفاح والعمل والصبر.

وهنا أقول للأخت الفاضلة “دروب الألم” مع شكري لها على صراحتها وإجلالي لهدفيتها في الحياة وإيمانها بالله تعالى وثقتها به: إن الأمور من حولنا في الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، والتغير سنة من سنن الحياة. وإذا كانت الأمور من حولنا تسير عكس ما نريد ونتمنى ونخطط، فإن هذا الأمر لا ينبغي أن يمنعنا من التسلح بالتفاؤل والأمل والقيام بالممكن والمقدور على طريق التغيير إلى الأفضل. ثم إن الصدمات التي يتلقاها المرء في حياته لا ينبغي أن تقوده إلى الاستسلام والخنوع، بل لابد أن يتوسل بالكفاح والصبر في التكيف معها، والخروج منها بروح أقوى. وكما تقول الكلمة السائرة: “إن الضربة التي لا تقتلني تقوّيني”. وللإيمان بالله دور كبير في تخطي الصعاب وتجاوز الصدمات والخروج منها بنفس أقوى وعزم أشد، وهو أكبر الضمانات للوصول إلى الرضا القلبي والاطمئنان النفسي ((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) (الرعد -28). كذلك عليه أن يسعى بجد وتفاؤل في تحسين رفقته بالناس، ونعود مرة أخرى إلى تغيير طريقة التفكير، لنذكر أن طريقة تغييرها تساعد في كسب الصداقات والحفاظ على ما يمكن المحافظة عليه من الأصدقاء القدامى والحميمين.

والمطلوب من الإنسان الذي يتصور أن الآخرين لا يرغبون في رفقته أو يشعرون بعدم الارتياح في مرافقته أو أنه ليس شخصا محبوبا في الحياة أن يعمل على تغيير هذه الصورة غير الإيجابية عن نفسه، وأن يعمل على إعادة رسمها ليظهرها –جهد ما يستطبع- بصورة أفضل. وحتى مع افتراض صدق تلك النظرة غير الإيجابية عن النفس، فإن المطلوب من الإنسان أن لا ييأس وأن يتحلى بالأمل المقرون بالكفاح (وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل).

ومن الأمور التي تساعد على إحراز حب الناس وكسب رفقتهم: حبهم، وتمني الخير لهم، ومساعدتهم في أمورهم. أن نحب الناس وأن لا نبدأهم بكراهية تلك قاعدة عظيمة في التعامل الإنساني، دعانا إليها ديننا العظيم، الإسلام الحنيف. مساعدة الناس وتمني الخير لهم حتى لو كانوا أعداء لنا، رسم البسمة على شفاه ووجوه الآخرين، وإدخال السرور عليهم، والمساهمة في تذليل المشاكل التي تصيبهم والتحمل والصبر في ذلك وغيره –كما ذكرت الأخت الفاضلة “أميرة الأحزان”- هي الأخرى صفات حضارية دعانا إليها ديننا الحنيف. جاء في دعاء الإمام علي بن الحسين السجاد (ع) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال: ((وأَجرِ للناس على يدي الخير، ولا تمحقه بالمن، وهب لي معالي الأخلاق)).

 

بقلم: السيد رضا علوي السيد أحمد

20/11/2005م