info@redha-alawi.com

الكاتب السيد رضا علوي

رداً على موضوع – عندما تخطب المرأة لنفسها

الأخ العزيز / محب الخير .. لفت انتباهي ضمن خضم مداخلتك الكريمة حول العنوسة وكيف السبيل الى حلها، فكرة بحث الفتاة عن زوج لها، و بينت من خلالها أن احدى سبل العلاج والوقاية من هذا الخطر الداهم و الذي نحوز على نسبة لا يستهان بها منه ( شر العنوسة ) في مجتمعاتنا، أن المراة أو الفتاة من حقها أن تختار زوجا تراه خليقا بها وصالحا لأن تقضي معه مشوار الحياة، وأن ذلك لا يعد حراما و لاعيبا، بل الجمود على التقليد هو الذي حال بين تحقيق هذا المأرب الطموح نوعا ما.. هذه خلاصة الفكرة التي أدهشتني وتدهش غيري باعتباري أحد الراكنين تحت وطأة جمود التقليد.
وما أود أن استبينه هنا أن الفكرة من حيث المبدأ لا تعد عيبا و لاحراما اذا ما تمت وفق الأطر الاسلامية و الضوابط الأخلاقية، ولكن لا يخفى عليك أخي العزيز أن ثمة محرمات اجتماعية وليست شرعية، ويؤمن بها عناصر المجتمع ايمانا لا يقل عن ايمانه بالمحرم الشرعي، ويعتقد البعض أن خطبة الفتاة لنفسها ينصب ضمن هذا المحذور في ضوء معطيات مجتمعنا المحافظ، و قد ينظر أفراد المجتمع الى الفتاة التي تسلك هذا المنحى على أنها فتاة خارجة عن الأعراف والتقاليد المحترمة، بل قد تذهب بهم المذاهب الى تفسيقها أو الطعن في شخصيتها باعتبارها أمرأة ” صبيانية ” تعشق اللهاث وراء الرجال وتتبع أحوالهم، كل هذه الأحكام تصدر تبعا للأعراف والتقاليد الموروثة، وهي رغم عدم كونها قوانين الهية الا أنها تلقى احتراما كبيرا من عناصر المجتمع بكلتي شطريه ( نساء ورجالا ). وهذه النظرة المجتمعية لمثل هذه الفتاة هو الذي يحتم على فتياتنا الأخريات أن يركنّ عند جمود التقليد، ويأبين ان يعرضن أنفسهن على الرجال بقصد اقامة زيجات بينهن، ويستسلمن الى صرامة هذه التقاليد الذي توارثناه ( رجالا ونساء ) من آبائنا الأولين، ويصعب علينا كأفراد في مجتمع محافظ أن نكسر هذا الحاجز بسهولة اذا لم يصاحبه تغيير في الاتجاهات القيمية و تغيير منظومة المبادئ في ذلك على نحو يتناسق مع هذا التوجه.
ورغم رجاحة هذه الفكرة الا أن محاذير كثيرة تكتنفها يمكن تعدادها في التالي :
1. أن المرأة اذا حاولت أن تبحث عن زوج فسوف تحيد عن جادة الضوابط والمعايير الدينية – ليس كل الفتياة طبعا – وتميل الى معايير أخرى لا ترقى الى المطلوب في تكوين العلاقات الزوجية السعيدة، فقد تميل بحكم عاطفتها الجياشة الى اختيار الزوج ذو المواصفات القياسية النادرة لاسيما اذا رأت في نفسها ما لايراه الآخرون، و لا يفهم من هذا أني ابرئ ساحة الرجل من هذا السلوك الشاذ بل هو موجود في كلا الطرفين مع فارق التغليب عند الأول طبعا بحكم التكوين البيولوجي الفطري.
2. أن المرأة في هذه الحالة قد تصاب بخيبة أمل شديدة بحكم مشاعرها الجياشة والمرهفة، في حالة تقدمت بنفسها الى خطبة أحد الشباب، ورفض ذاك الشاب الزواج منها بحجة وبأخرى، فهل نتوقع أن تصمد وتجلد نفسها لاسيما اذا ألقت بكامل ثقل حبها على ذاك الشخص ؟ أعتقد أن الأمر يهون لو أن المرأة تقدّم اليها شاب ثم جاء الرفض من قبله ؟ فهي قد تبرر لنفسها أو تسلي خاطرها بأنه هو الذي تقدّم ورغب فيها و ليس العكس.. وغيرها من المسليات والمهدئات، ولكن كيف تهدئ نفسها اذا عرضت نفسها على شاب بوسيلة وبأخرى للزواج منه، و هو يرفض الزواج منها ؟
3. اعتقد أن خطبة المرأة لنفسها يتعارض وأنوثة الفتاة، فالفتاة شموخ محصّن بهالة كبيرة من القدسية و الأعراف والتقاليد التي تستنكر أدنى الممارسات التي من شأنها تجعلها تحتك بالرجال كالسلام مثلا فلو قلت لامرأة لا تربطك علاقة حميمية أو نسبية بها : السلام عليكم.. في مجمعنا هذا لنظرت اليك بازدراء و حقارة، هذا اذا لم تشهر بك في المحافل النسوية…

خلاصة القول :
هذه الفكرة راجحة ولكن تتعارض مع مقدسات اجتماعية يستحيل تطبيقها اذا لم تتغير منظومة الاتجاهات والقيم التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة.

 


الأخ الكريم “عصارة الهموم”، تحياتي إليك. وبعد، إلحاقا بتعليقك القيم على مقال هذا الجانب حول موضوع العنوسة الذي أثاره الأخ الكريم زاهي، وهو موضوع اجتماعي يستحق منا البحث والمعالجة، رأيت أن أوضح النقاط التالية:

1- حينما تحدثتُ عن إمكانية أن تقوم الفتاة أو المرأة بالبحث عن زوج صالح يناسبها، كان ذلك ضمن الوسائل التي يمكن أن تسهم في تقليل العنوسة. وفكرتي تنطلق من أن بعض الفتيات حينما يتقدم بهن السن، كأن يدخلن في سن الثلاثين، يظللن ينتظرن من يأتيهن للزواج، وقد لا يأتيهن أحد، فالمبادرة هنا من جانب المرأة، وأقصد بالطبع المبادرة الشريفة البعيدة عن ارتكاب المحرم والدخول في العلاقات الغرامية غير المشروعة، قد تساعد الزوجة على التوفق للزواج. وينبغي أن لا ننسى أن النساء بطبيعة الحال أكثر من الرجال، وقد يكون بعض النساء منسيات أو غير معروفات، فالمبادرة هنا من جانب المرأة قد تساعد في هذا السبيل. وكم من نساء صرن إلى العنوسة بحكم أن أحدا لم يعرف بهن، أو بصورة أكثر تحديدا لم يحالفهن التوفيق في أن يزورهن أحد ويطلب أيديهن، وربما ساعد أهلهن بقصد أو بدون قصد في نسيانهن أو جعلهم مجهولات. ويمكن لنا هنا أن نتساءل: أيهما أفضل أن تبادر المرأة التي بلغت الثلاثين كمثال إلى البحث عن زوج صالح يناسبها قبل أن يفوتها القطار، أم أن تظل مجهولة غير معروفة وبالتالي تمسي بلا زواج وتدخل في فضاء العنوسة؟ والبحث هنا لا يعني الخطبة بقدر ما يعني اللجوء إلى أسلوب شريف وعفيف يساعد المرأة على التوفق للزواج. دعنا نضرب لهذا مثالا بسيطا: لنفترض امرأة بلغت سن الثلاثين، سمعت من صديقة لها أن ثمة رجلا قريبا لها طلق زوجته لسبب ما أو توفيت زوجته، وهو يبحث عن زوجة ولا مانع لديه أن تكون تبلغ الثلاثين من عمرها. هل يضير المرأة غير المتزوجة في مثالنا أن تبادر لتبدي لصديقتها استعدادها في أن يتقدم هذا الرجل للزواج منها وبذلك ستمنع نفسها الوقوع في العنوسة؟

2- اما عن مبادرة الفتاة بصورة عامة في البحث لها عن زوج صالح يناسبها (ضمن إطار العفة ورعاية القيم الأخلاقية بالطبع) فلا يبدو أنه شيء غير مقبول، ولم أجد لحد الآن نص شريف يحظر على المرأة ذلك. ومع أن السياق في حديث رسولنا الكريم (ص): “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه” يظهر مجيء الرجل إلى المرأة لطلب الزواج، مع ذلك لم يحرم الدين الحنيف على المرأة أن تختار زوجا صالحا لها أو أن تبادر في ذلك بأساليب مشروعة وغير مخلة بالقيم والأخلاق. ومبادرة الفتاة أو المرأة لطلب الزواج لا تعني بالضرورة الطلب المباشر، ويمكن أن يكون عبر طرف ثالث شريف، مثل امرأة صالحة، أو قريب صالح ناصح. طبعا لا ينبغي أن يُفهم من هذا أننا ينبغي أن ننقلب على تقاليدنا، فالتقاليد الحسنة هي جديرة بأن يتمسك الإنسان بها، لكنني أؤمن بأن التقاليد في مجتمعنا ليست كلها صحيحة، وبعضها يحتاج إلى تعديل أو تصحيح، وهناك حاجة إلى ثقافة تدعم هذا التعديل أو التصحيح، هذا من جانب. ومن جانب آخر، تمثل المرأة نصف المجتمع كما نعلم، ولا يبدو من الصحيح حرمان هذا النصف من استحقاقاته تذرعا بتقاليد يحتاج بعضها إلى نوع تعديل أو تصحيح كما تقدم. ولا يبدو من الصحيح أن ننظر إلى مبادرة المرأة للحصول على زوج صالح، وخصوصا حينما يتقدم بها السن كأن تدخل في الثلاثين، أنها من المحذور أو الممنوع، خصوصا وأن هذا يخدمها كامرأة تابى لنفسها أن تكون عانسا، وتريد لنفسها أن تكون مثل سائر النساء، ذات زوج وأطفال وحياة أسرية عائلية كريمة.

3- ذكرت في مداخلتك الكريمة أن المرأة اذا حاولت أن تبحث عن زوج فسوف تحيد عن جادة الضوابط والمعايير الدينية، وذكرت: ليس كل الفتيات طبعا. أتفق معك في القسم الأخير، ويمكنني القول هنا أن الرجل كما المرأة قد يحيد عن جادة الضوابط والمعايير الدينية حين يبحث عن زوجة له، والمعول بالنسبة للطرفين على نوع التربية التي يتلقيانها، إن كانت تربية قائمة على احترام المشروع والقيم والأخلاق، أو قائمة على الشذوذ عنها. وإذا كان من حق الرجل أن ينتظر من زوجته المرشحة مواصفات وكفاءات معينة، كذلك من حق المرأة أن تنتظر من زوجها المرشح مواصفات وكفاءات معينة تناسب كفاءاتها. ولا يبدو صحيحا أن التكوين البيولوجي للمرأة يمكن أن يكون مانعا لها من أن تشترط في زوجها كفاءات معينة، وإلا نكون بهذا قد ظلمنا المرأة.

4- من ناحية أخرى، مبادرة المرأة للزواج لا تعني بالضرورة أن تقع في حالة حب مع من تريد أن تتزوجه كما ذكرت، ولست أقصد هنا أن تتزوج المرأة إنسانا لا تحبه أو لا تعرفه أو تجهله. كان المقصود أن بإمكان الفتاة أو المرأة أن تمارس فعلا أخلاقيا –وأشدد أخلاقيا- يمكن أن يساعدها في الدخول إلى الزواج، وليس بالضرورة عليها أن تنتظر من يأتي ويتقدم لخطبتها، فلربما لن يأتيها أحد، وقد تصبح عانسا.

 

بقلم: السيد رضا علوي السيد أحمد