تضامنا مع حرية الفكر والرأي والكلمة

“المنار”.. صوت من أصوات العزة والكرامة التي يُراد لها أن تُُحجب

يُعد القرار الفرنسي في حجب إرسال قناة المنار الفضائية وتصنيف الكونجرس الأميركي لهذه القناة المتميزة في قائمة المنظمات الإرهابية من الأخطار الكبيرة التي تواجه الأمة العربية والإسلامية في زمننا الراهن. وأقل ما يمكن أن يفعله الإنسان تجاه مثل هذه الممارسات المخالفة لمبادئ الديموقراطية وحرية الفكر والرأي هو أن يتضامن ويضم صوته إلى جانب الجهة المجني عليها، لكي تتراكم الأصوات وتشكل ضغطا مؤثرا على كل من يريد لصوت العزة والكرامة في الأمة أن يهون أو يتلاشى وينتهي.

وإذا كانت قناة المنار هي التي تتعرض اليوم للحجب والتصنيف ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، فما الذي سيمنع الجهات المتنفذة في هذا العالم -وتحت تأثير جماعات الضغط الإسرائيلية والانحياز المطلق للكيان الإسرائيلي- من حجب وتصنيف أي قناة أخرى في المستقبل، يشم منها رائحة العزة والكرامة. لا ينبغي لأحدنا أن يفكر أن الضغط على أمتنا من تلك الجهات سينتهي عند حدود، وإذا ما نجحوا في ضغط ما سينتقلون إلى ضغط آخر، وهكذا. وذلك لأنهم قرروا –وحسب ما تمليه عليهم مصالحهم- أن يستمروا في التضييق علينا، ويجعلوننا مشلولين بلا حراك، وبلا أفواه، لكي ينسونا قضايانا المركزية، ويجبرونا على إنهائها بالشكل الذي يتناغم مع تلك المصالح، ولا يهمهم بعد ذلك إن فقد شعب محتل غالبية أرضه المحتلة ظلما وعدوانا، وعاش الملايين من أبنائه في متاهات اللجوء والشتات وتحت أقسى الظروف المعيشية، وضاعت مقدساته، أو تعرضت شعوب أخرى لأعمال إراقة الدماء كما يحدث في العراق اليوم، تحت ذرائع ثبت بطلانها الأكيد.

والغريب في الأمر أن الحجب والتصنيف يأتي من الدول التي تُعتبر أكبر قلاع الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، فأين الديموقراطية، وأين احترام حقوق الإنسان وحق الإنسان في التعبير يصادر، وحريته في ممارسة شعائره الدينية تمنع؟! بالأمس كان منع فرنسا لارتداء المرأة المسلمة للحجاب في المدارس والجامعات بذريعة التوجه العلماني للمجتمع الفرنسي، وبعده كان حجب إرسال المنار في فرنسا بذريعة ما يدعى بالتحريض على معاداة السامية، وبعده كان تصنيف قناة المنار ضمن المنظمات الإرهابية من قبل الكونجرس الأميركي، والقائمة لن تتوقف عند هذا الحد، بل يمكن أن تمتد إلى كل صوت يدافع عن حقوق أمته ويريد لها أن تبقى عزيزة وكريمة. وكلما كنا ضعفاء في التضامن والدفاع عن كل صوت ينادي بحفظ عزتنا وكرامتنا، سنكون أكثر عرضة لمزيد من الضغوط والإملاءات التي تحاول إفقادنا تلك العزة والكرامة، وفي المستقبل لن يكون هناك مجال لنا لأن نستغرب إذا رأينا منع أي صوت يشم منه رائحة الدفاع عن عزة وكرامة الأمة. ومن هنا لابد لنا إلا أن نكون أقوياء وأصحاب إرادة تجاه من يريد تجريدنا من عزتنا وكرامتنا، والأساليب والوسائل السلمية كثيرة ومتنوعة، وقوة الكلمة أمر لا ينبغي أن يستهان به في هذا السبيل.

والملاحَظ أن التضامن العربي الإسلامي مع هذا الحدث (حجب قناة المنار وتصنيفها ضمن قائمة الإرهاب) ضعيف، ولا يتناسب وحجم الخطورة والعواقب التي تكمن من ورائه، وبهذا يمكن القول أننا بهذا التقصير نقدم أكبر خدمة لمن يريد إملاء شروطه وسياساته على أمتنا، فنزيده قوة وجبروتا بينما نزيد ذاتنا ضعفنا وتخاذلا. ولربما يخشى البعض منا –أنظمة ومؤسسات مدنية- من التضامن مع صاحب الحق في مثل هكذا أحداث، ولكن هذه الخشية لن تكون في مصلحتنا في نهاية المطاف، لأن نوايا إضعاف الأمة لا تفرق بين مؤسسات وأنظمة، بل تطالها جميعا، لأن الأمة هي الأمة، بحاكمها ومحكومها.

ومن ناحية ثانية فالدول المتنفذة في هذا العالم ليس لديها أي مشكلة مع تلك القنوات الفضائية التي تساهم بدرجة كبيرة في تكريس واقع التصور الغربي للثقافة وتشجيع ثقافة التنميط والاستهلاك، وما أكثرها من قنوات في زمننا هذا، بل أكثر من ذلك فهي ترى في مثل هذه القنوات دعما حقيقيا لتوجهاتها في تكريس العولمة اللاأخلاقية التي تريد لنا أن نكون مجرد مرددين لأنماطها وثقافتها الاستهلاكية و فقراء. لكنها بالمرصاد لكل صوت يحاول أن يحفظ للأمة هويتها، ويسعى من أجل تأصيل المحافظة على قيم العزة والكرامة لها. والقنوات والأصوات التي تردد ثقافة التنميط والاستهلاك هي في نظر تلك الدول قنوات وأصوات تحترم القيم وتتماشى مع مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان، أما تلك الأصوات التي تحاول أن تؤصل للإنسان العربي والمسلم هويته ودفاعه عن قضاياه المركزية وحفظه لعزته وكرامته، وتعمل على بيان حقائق الأمور لشعوب العالم بصورة ذات مصداقية، فهي قنوات إما مضادة للسامية أو إرهابية!! إن هذه الطريقة هي بحق إما انصياع لجماعات الضغط الموالية لإسرائيل، وإما تكريس للمنطق الجائر الذي يقول: إن لم تكن معي فأنت مارق شرير.

إنه لمن الجدير بالمؤسسات المدنية من جمعيات ونقابات وصحف ومراكز، في بلدنا وعلى امتداد عالمنا العربي والإسلامي، أن تقوم بما يمكنها القيام به تضامنا مع هذه القناة الطيبة (قناة المنار)، ومع كل صوت حر يعمل على حفظ العزة والكرامة لهذه الأمة التي يريد لها أعداؤها أن تصبح ذليلة خانعة، وأن تمسي أشتاتا وطرائق قددا.

بقلم: السيد رضا علوي السيد أحمد

20/1/2005م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى