sayed.redha.alawi@gmail.com

الكاتب السيد رضا علوي

السرقة في مجتمعنا: هل هي ظاهرة بحاجة إلى دراسة وعلاج؟

الفرق بين الحالة والظاهرة أن الحالة قد تكون وحيدة أو أكثر، لكنها لا ترقى إلى أن تعد ظاهرة. أما الظاهرة فهي استمرار لظهور الحالة، أو تكرار لحدوثها بصورة غير قليلة. وهذا التعريف ينسحب على حالات وظواهر الإيجاب والممدوح من العادات والأفعال، كما ينسحب على حالات وظواهر السلب والمذموم من العادات والأفعال كذلك. وبديهة أن الحالة والظاهرة الإيجابيتين من شأنهما أن يعززا لأن في تعزيزهما مصلحة للمجتمع وقوة ونماء له. أما الحالة والظاهرة السلبيتين، فمن شأنهما أن يقوما ويعالجا من أجل التخلص منهما أو الحد منهما ومنع تفاقمهما على الأقل لتخليص المجتمع من آثارها والتداعيات السلبية التي تترتب عليهما. وطبيعي أن أي مجتمع بشري لا يخلو من الحالات والظواهر السلبية (ومنها السرقة)، إلا أن يكون مدينة فاضلة مثالية كما تخيلها أفلاطون، مع أن المجتمعات البشرية يمكن أن تتفاوت من حيث وجود حالات وظواهر الإيجاب وحالات وظواهر السلب. وفي الوقت ذاته، لا ينبغي أن يكون هذا مبررا للسكوت على المشكلة أو الحالة أو الظاهرة أو التعامي عنها أو إهمالها إن وجدت وتركها للتزايد والتفاقم بما يحمل ذلك من آثار اجتماعية لا تحمد عواقبها. والمعلوم أن الحالة السلبية إذا أهملت ولم تواجه بالدراسة والمعالجة الجدية، يمكن أن تتحول إلى ظاهرة، وبالتالي يمكن أن تتوسع وتتفاقم الآثار والتداعيات الاجتماعية السلبية المترتبة عليها.

من هذه المقدمة، وآمل أن أكون موضوعيا وغير مزايد أو متشائم، يبدو لي أن السرقة في مجتمعنا تصل إلـى مستوى الظاهرة، فحدوثها متكرر كثيرا، وشكلها متنوع، ورسمها البياني يبدو أنه في تصاعد، مما يرتب علينا جميعا مسؤولية كبيرة. فمن سرقة ممتلكات البيوت من نقود وذهب وغيره، إلى سرقة السيارات كاملة أو سرقة أجزاء منها أو سرقتها وتفكيكها إلى قطع أصغر، إلى سرقة المحلات التجارية ومراكز المواد الغذائية، إلى سرقة المدارس، وسرقة المال العام التي ينبغي أن تواجه برقابة مشددة. وحتى المساجد التي يذكر فيها اسم الله لم تسلم من مداهمة اللصوص لها وسرقة أثاثها وأدواتها. فكلنا أو ربما أغلبنا سمع عن سرقة مكيفات الهواء لأحد المساجد، وسمعنا ونسمع كثيرا عن سرقات مواد البناء من المنازل التي هي قيد الإنشاء وليس من حراسة لها.

والسؤال المحوري هنا: من المسؤول عن وجود هذه الممارسة السلبية في مجتمعنا بصورة ملحوظة؟ ومن المسؤول عن التصدي لها وعلاجها؟ بموضوعية وعدالة، ليس من الصحيح تحميل جهة واحدة هذه المسؤولية، ولذا يمكن القول بأنها وليدة تعددية من العوامل المتشابكة، وإن كان كل واحد منها -إذا توفر- يمكن أن يقود إلى تلك الممارسة أو الحالة أو الظاهرة.

يأتي في مقدمة تلك العوامل، الأسرة. فالأسرة إذا لم تكن فعلا مدرسة يتعلم فيها الإنسان المعارف الطيبة والقيم الأخلاقية، ومنها قيمة حفظ حقوق وممتلكات الآخرين وعدم التعدي عليها بسرقتها أو إتلافها، فهي تعاني من إشكالية أساسية وخلل رئيس لابد من علاجه. والمؤسسة الاجتماعية، سواء كانت رسمية أو أهلية، إذا قصـرت في أداء دورها أو لم تتحمله بصورة صحيحة، فهي تساهم عمليا في وجود تلك الإشكالية أو ذلك الخلل. وهكذا الحال بالنسبة للمؤسسة الرسمية، سواء كانت مدرسة أو مؤسسة إعلامية أو غيرها. كذلك يكـون المحيط الاجتماعي، ومن أبرز وجوهه الصداقة والأصدقاء، أحد العوامل واسعة التأثير للدخول في خط السرقة واللصوصية. فالمثل السائر يقول: “من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم”، ومن يصادق السارق، أو يتيح له والداه فرصة مصادقته بصورة إرادية أو غير إرادية، فلا غرابة أن يصبح سارقا مثله بالتكيف الاجتماعي معه. والمؤسف أن هناك من وقع في ممارسة السرقة كعادة اعتادها، وربما يجد صعوبة أو نقصا حينما يكف عن ممارستها. وهنا تحضرني قصة تلك المرأة التي تنتمي إلى عائلة ثرية، وكانت تمارس السرقة منذ صغرها، وذات مرة ضُبطت في إحدى المحلات التجارية وهي تسرق، وفي التحقيق حينما سئلت عن السبب الذي يجعلها تمارس السرقة مع أنها من عائلة ثرية ومكتفية ماليا ورفاهيا، أجابت بأنها اعتادت هذه العادة منـذ صغرها، وهي حينما تمارسها تجد إحساسا بالمتعة، وحينما لا تمارسها تشعر وأن رغبة ما تنقصها. وهكذا كما تقول الحكمة الشهيرة: “الخير عادة والشر عادة”، وكما يقول المثل السائر: “من شب على شيء شاب عليه”، وكما يقول المثل السائر الآخر: “من يسرق بيضة قد يسرق جملا”.

من ناحية أخرى، يؤدي الحرمان إلى السرقة واللصوصية، خصوصا مع وجود فوارق طبقية فاحشة في ظل تآكل ملحوظ للطبقة المتوسطة، طبقة أثرياء وطبقة محرومين، طبقة تملك كل شيء وطبقة لا تملك أي شيء أو القليل جدا. ويزداد الحرمان تأثيرا سلبيا وخطورة حينما يكون مقترنا بالجهل وغياب الثقافة والتربية الأخلاقية. ومن العوامل المؤدية إلى الحرمان: البطالة عن العمل -والتي ينبغي أن تواجه بجدية عن طريق توسيع التنمية من جانب والحد والتقليل من العمالة الأجنبية من جانب آخر- والإهمال الوالدي للأبناء، والإهمال في التربية، والطرد من المنزل، والعنف وإساءة المعاملة، والتعديد الأهوج في الزوجية، والتفكك الأسري وأشده الطلاق، وهي أمور قد تقود المرء إلى السلوك المنحرفة، ومنها التفكير بالالتجاء إلى ممارسة السرقة كطريق غير مشروع لتحصيل الحاجة.

وإذا كان مهمًّا طرح المشكلة للتعرف عليها وتشخيصها، وما أكثر ما قيل ويقال في المشكلات ومنها السـرقة، فإن الأهم من ذلك هو التوجه الجاد لعلاجها. والعلاج ينبغي أن يكون متعددا بتعدد الجهات التي قد ينشأ منها الخلل، بسبب تقصيرها أو عدم قيامها بمسؤوليتها. والعلاج يبدأ من العائلة، لأنها الوحدة الاجتماعـية الأولى التي يتلقى الإنسان فيها معارفه وثقافته وقيمه وأخلاقه، ويتعلم فيها كيف يتصرف وكيف يسلك في واقعه الداخلي وفي واقعه الخارجي، الداخلي مع نفسه، والخارجي مع مجتمعه وبني نوعه. وهنا ينبغي التشديد علـى دور ووظيفة العائلة في غرس القيم الأخلاقية في إنسانها، وتطبيعه عليها، ومنها بلا ترديد: حفظ أمـوال الناس وممتلكاتهم وعدم التعدي على حقوقهم، والطريقة المشروعة والأخلاقية لتحصيل الحاجة، ولابد من تأهيلها للقيام بهذا الدور التربوي على خير ما يرام. ولابد أن تكون قاعدة “المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه” في صلب قواعد التربية والتهذيب في العائلة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، لابد للعائلة من دور توجيهي في صداقات أولادها (بنينا وبنات)، فليس من الصحيح أن نترك أولادنا يصادقون من هب ودب، لأننا بفعلنا ذلك نكون قد جعلناهم بإرادتنا يخوضون في صداقات تقودهم إلى ما تحمد عواقبه، ومنه الوقوع في خط السرقة واللصوصية، وهو خط في منتهى الخطورة. وليعلم كل أب وأم انهما إذا سمحا لولدهما أن يصادق سارقا أو لصا، فإنهما بذلك يشجعانه ويساعدانه ويعطيانه ضوء أخضر لأن يكون سارقا أو لصا مثل صديقه، ولابد من نوع من الرقابة والمتابعة الفنية في هذا السبيل. كذلك ينبغي للعائلة أن تستشعر حاجات أولادها، وتسعى جاهدة من أجل توفيرها لهم لإحراز سد العوز والنقص وتحقيق الاكتفاء، وتجنيبهم التفكير في الطرق الملتوية لتحصيل الحاجة.

أما في ما يتعلق بالمدرسة والكلية والمعهد -وفي المدرسة بصورة خاصة- فالمطلوب تحقيق نوع من التلازم في المناهج والتدريس بين الجانب التعليمي والجانب التربوي. فلا يكفي أن نلقن الطفل المعلومة أو المعرفة أو نعلمه كيف يبحث عنها، بل لابد من تعليمه أخلاقيات تحصيل المعرفة، وأخلاقيات التعامل في المنزل والمدرسة والشارع والمجتمع مع بني نوعه، ومنها حفظ أعراضهم  وممتلكاتم، وكف الأذى عنهم، ومن الأذى بلا شك الاعتداء على أموالهم بالسرقة أو الإتلاف. ولقد أثبتت التجارب التعليمية أن هناك من الطلاب من يتلقى التعليم عن الأخلاق والقيم الأخلاقية، ولكنه يسلك خلافها، مما يظهر وجود فاصل بين المادة العلمية وبين التربية. ولابد من التعرف على مسببات هذا الفاصل ودراسته والتوجه إلى معالجته. فقد يكون الخلل فـي المنهج الدراسي، أو في طرق التدريس والتربية، أو في الدور العائلي، أو في غياب التنسيق والتناغم والانسجام بين الأسرة والمدرسة، أو في المحيط الاجتماعي خارج المنزل والمدرسة.

أما في ما يتعلق بالمؤسسات الأهلية، وخصوصا الجمعيات المهتمة بالأسرة والأمومة والطفل، فمن المهم أن تضع هذه الجمعيات في صلب اهتماماتها وبرامجها تقديم الثقافة الأخلاقية للأمهات والآباء لكي يعلمونها بدورهم لأولادهم، ويمكن أن يكون ذلك في صورة منتديات دورية أو محاضرات أو حوارات ولقاءات مفتوحة، وغير ذلك من الأساليب والوسائط، ويقترح لهذه الجمعيات أن تقوم بفعالياتها بصورة متنقلة في مناطق المجتمع دون قصرها على منطقة واحدة، أو على شريحة اجتماعية معينة، وذلك لتعميم الفائدة. وعلى  صعيد المؤسسة الإعلامية، حبذا لو يدرج موضوع السرقة ضمن المعالجات التي تقدمها البرامج التلفزيونية المبثوثة على الهواء، لكي يتم تفعيل وتعزيز الثقافة الأخلاقية وثقافة احترام القيم ونشرها وتعزيزها في المجتمع.

كذلك من المهم أن تتضمن مراكز الحبس لأسباب جنائية برامج تأهيلية للشخص المدان في قضية جنائية، كالسرقة، خلال الفترة التي يقضيها في الحبس. فلا يكفي أن يحاكم الفرد المدان ويحبس ويغرّم ويفرج عنه بكفالة إلى حين تنظر المحكمة في شأنه، بل ينبغي أيضا معالجة حالته ودراستها تربويا، ومساعدته في تجـاوز العوامل والأسباب التي قادته إلى فعل الجريمة، كالسرقة، لكي لا يعاود فعلها مستقبلا. وبهذا يتجلى الدور التربوي والأخلاقي للحبس الجنائي في إعادة تأهيل من وقعوا في الجريمة. وينبغي أن ينال الأحداث المدانون قسطا تربويا تأهيليا كافيا ومركزا خلال فترة وجودهم في الحبس، لأنهم ربما افتقدوا هذا في أسرهـم، فيكون الحبس وقتئذ فرصة تأهيلية لهم ترجعهم إلى الاستقامة والسيرة الحسنة على يد متخصصين تربويين مؤهلين. لقد عانى، وما يزال يعاني، كثيرون في مجتمعنا من السرقة ومن تداعياتها المادية والاجتماعية والنفسية، وما زال سؤال على قدر كبير من الأهمية يطرح نفسه وينتظر المعالجة: هل السرقة في مجتمعنا ظاهرة بحاجة إلى دراسـة وعلاج؟

بقلم: السيد رضا علوي السيد أحمد

30/3/2001م